أحمد بن أعثم الكوفي

389

الفتوح

أقبل عليهم فقال : يا هؤلاء ! إنه قد كثرت شكايات الناس منكم ، فأما القريب فقد بادهني وأما البعيد فما نالوا جهدا ، فماذا عندكم من الرأي ؟ قال : فتكلم عبد الله بن عامر بن كريز وقال ( 1 ) : يا أمير المؤمنين ! إنه ليس يرضي الناس عنك إلا ما أسخطهم عليك ، فإن الناس إنما نقموا عليك لأجل هذا المال ، فأعطهم إياه حتى يرضوا به عنك ولا يشكوك أحد بعد ذلك . قال : ثم تكلم عبد الله بن سعد بن أبي سرح فقال : يا أمير المؤمنين ! إن لك على الناس حقا في كتاب الله ولهم عليك مثل ذلك ، فادفع إليهم حقوقهم واستوف منهم حقك ، فإنه قد ولي أمر هذه الأمة من قبلك رجلين خيرين فاضلين أبا بكر وعمر فسارا بسيرة ، فسر بسيرتهما واستسن بسنتهما واعمل بعملهما ، يرضى الناس عنك ولا يشكوك أحد . قال : ثم تكلم سعيد بن العاص فقال ( 2 ) : لا والله يا أمير المؤمنين ! ما دعا الناس أن نقموا عليك إلا الحمام والفراغ من الحروب ، وذلك أن العرب اليوم جلست في المحافل وتحدثت بالأحاديث ، فاشغل العرب بالغزو وقاتل بهم العدو حتى لا يرجع أحدهم ، إذا رجع إلى منزله قد أهمته نفسه لا يتفرغ لعيب الامراء . قال : ثم تكلم معاوية فقال : يا أمير المؤمنين ! إنك قد جمعتنا وذكرت أنه قد كثرت الشكايات منا وأنت قد ملكتنا رقاب الناس وجعلتنا أوتادا في الأرض ، فخذ كل واحد منا بما يليه من عمله حتى نكفيك ما قبله ولا يكون ههنا شكاية أحد ولا ينقم أحد عليك ( 3 ) . قال : فعلم عثمان أن الرأي ما قال معاوية ، فعزم على أن يرد عماله إلى بلادهم وأعمالهم ، ثم أوصاهم وعهد إليهم وحذرهم الشكايات ، فرجع معاوية إلى الشام ، وعبد الله بن عامر إلى البصرة ، وسعيد بن العاص إلى الكوفة ( 4 ) ، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى مصر ، فلم يزدادوا على الناس إلا غلظة وجنفا وجورا في الاحكام وعدولا عن السنة .

--> ( 1 ) عبارة الطبري 5 / 94 : أرى يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك وأن تجمرهم في المغازي حتى يذلوا لك فلا يكون همة أحدهم إلا نفسه . ( 2 ) عبارة الطبري : أن لكل قوة قادة متى تهلك يتفرقوا ولا يجتمع لهم أمر . ( 3 ) زيد عند الطبري 5 / 94 - 95 وابن الأثير 2 / 275 مقالة ع مرو بن العاص انظرها فيهما . ( 4 ) في الطبري : فخرج أهل الكوفة عليه بالسلاح فتلقوه فردوه . ( انظر مروج الذهب 2 / 372 - 373 ابن سعد 5 / 33 ) .